محمد عبد الله دراز

45

دستور الأخلاق في القرآن

إنّ موقف القرآن الكريم من هذه المسألة يختلف تماما عن هذا الموقف المتشدد المتشائم ، وينزع إلى نظرة أكثر رحابة ، وأكثر تفاؤلا . لقد كان هناك دائما عدد من عباد اللّه الذين اصطفاهم لفعل الخير ، وسوف يكون منهم عدد دوما وعلى مر الزّمان . هؤلاء العباد من الصّفوة قد جبلوا بما أودعه اللّه فيهم من نزعات فطرية ، على معرفة الحقيقة ، وعلى ممارسة الفضيلة . وهم يسارعون دائما إلى عمل الخير بإخلاص ، وعن انبعاث تلقائي . ولا يصح القول إنّهم لا يبذلون أي جهد يستحقون عليه المثوبة ؛ بل إنّ الجهد الّذي يبذلونه بدلا من أن يتجه نحو مغالبة « الشّر » فإنّه يتجه نحو « البناء » ، أي نحو إضافة لبنات جديدة إلى صرح الفضيلة . ونحن لا ننكر أنّ هذه الصّفوة الممتازة قلة ؛ غير أنّ هناك قدرا من الشّهامة في كلّ نفس ، وإن اختلفت في شكلها . والإنسان لا يخلق تلك النّزعات الطّيبة في نفسه بل يتلقاها استعدادا مبدئيا من يد الخالق ، ولا يفتأ ينميها بالكفاح إمّا لمقاومة قوة شريرة ، أو لكسر جمود المادة ، وركود الحياة العادية . وهذا النّوع الأخير من الكفاح هو عمل الشّخصيات الأخلاقية العظيمة . فجهدهم ينصب في جوهره على متابعة النّشاط الخلاق ، ومحاربة التّوقف عند حدّ معين ، والتّصاعد بالعمل الأخلاقي . وهكذا نرى أنّه من الممكن التّوفيق بين « الجهد » والانبعاث « التّلقائي » ، ومن الممكن أن يسهم كلّ منهما في إحراز الفضيلة ، واستحقاق الثّواب . أمّا العلاقة التّركيبية بين الجهد ، والتّيسير فنجدها أكثر وضوحا في القرآن الكريم . فلا يتنافى التّيسير العملي في ممارسة الشّعائر مع مفهوم الجهد ، بل إنّه يضفي عليه طابعا إنسانيا . ويهدف هذا الجهد إلى إبعاد روح التّعسف الّذي لا يبرره عقل ، ولا يدعو إليه واجب ؛ كما أنّه يستبعد التّزمت الضّيق في التّدين ، الّذي يستنفد الجهد في الحاضر ، دون أن يترك ذخيرة تمكن من الاستمرار في المستقبل . هذا الجهد الّذي